سيد محمد طنطاوي

331

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

* ( وبارَكَ فِيها ) * أي : وجعلها مباركة زاخرة بأنواع الخيرات والمنافع ، عن طريق الزروع والثمار المبثوثة فوقها ، والمياه التي تخرج من جوفها . والكنوز التي تحصل من باطنها . * ( وقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها ) * والأقوات : جمع قوت . والمراد بها أرزاق أهل الأرض وما يصلحهم . أي : وجعل أقوات أهلها التي يحتاجون إليها في معايشهم ومنافعهم ، على مقادير محددة معينة ، بحيث نشر في كل قطر من أقطارها أقواتا تناسب أهله ، وبذلك يتبادل الناس المنافع فيما بينهم ، فيعمر الكون ، ويزيد الاتصال والتعارف فيما بينهم . قال ابن جرير : بعد أن ذكر جملة من الأقوال في معنى هذه الآية : والصواب من القول في ذلك أن يقال : إن اللَّه - تعالى - أخبر أنه قدر في الأرض أقوات أهلها ، وذلك ما يقوتهم من الغذاء ، ويصلحهم من المعاش . ولم يخصص - جل ثناؤه - بقوله * ( وقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها ) * أنه قدر فيها قوتا دون قوت ، بل عم الخبر عن تقديره جميع الأقوات . . « 1 » . وقوله - تعالى - : * ( فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ ) * متعلق بمحذوف يدل ، عليه ما قبله . أي : خلق الأرض ، وجعل فيه رواسي من فوقها ، وبارك فيها . وقدر فيها أقواتها في تمام أربعة أيام ، فتكون المدة التي خلق فيها الأرض وما عليها أربعة أيام . وقوله - سبحانه - : * ( سَواءً لِلسَّائِلِينَ ) * تأكيد لما دلت عليه الآية الكريمة من أن خلق كل من الأرض وما فيها وما عليها قد حدث في أربعة أيام . قال الآلوسي : وقيدت الأيام الأربعة بقوله : * ( سَواءً ) * فإنه مصدر مؤكد لمضمر هو صفة الأيام . أي : - في أربعة أيام - استوت سواء ، أي : استواء . وقوله - تعالى - : * ( لِلسَّائِلِينَ ) * متعلق بمحذوف وقع خبرا لمبتدأ محذوف ، أي : هذا الحصر في أربعة ، كائن للسائلين عن مدة خلق الأرض ، وما فيها . . « 2 » . وقال الجمل في حاشيته : فإن قيل لم جعلت مدة خلق الأرض بما فيها ، ضعف مدة خلق السماوات ، مع كون السماء أكبر من الأرض وأكثر مخلوقات وعجائب ؟ قلت : للتنبيه على أن الأرض هي المقصودة بالذات لما فيها من الثقلين ومن كثرة المنافع ، فزادت مدتها ليكون ذلك أدخل في المنة على ساكنيها ، وللاعتناء بشأنهم وشأنها - أيضا -

--> ( 1 ) تفسير ابن جرير ج 24 ص 63 . ( 2 ) تفسير الآلوسي ج 24 ص 101 .